ابن الجوزي

355

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

الكتاب ، وإذا أخذتها واستحلفت الناس عليها بمؤكدات الأيمان فانع إليهم أمير المؤمنين وجهزه ، وتولّ الصلاة عليه وانصرف في حفظ الله وتأهب لركوبك ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، هل وجدت علة ، فقال : يا عم ، وأي علة هي أقوى وأصدق من الخبر الصادق عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، فأخذت الكتاب ونهضت ، فما مشيت إلا خطأ حتى هتف بي [ هاتف ] [ 1 ] يأمرني بالرجوع ، فرجعت ، فقال لي : إن الله قد ألبسك كمالا وأكره أن يحطك الناس فيه ، وكتابي الَّذي في يدك مختوم ، وسيقول لك من يحسدك على ما جرى على يديك من هذا الأمر الجليل انك إنما وفيت للمسمى في هذا الكتاب ، لأن الكتاب كان مختوما وقد رأى أمير المؤمنين أن يدفع إليك خاتمه ليقطع بذلك ألسنة الحسدة عنك ، فخذ الخاتم ، فوالله ما كذبت ولا كذبت ، فانصرفت وتأهبت للركوب ، وركبت وركب معي الناس حتى صليت بأهل العسكر ونحرت وانصرفت إليه ، فسألته عن خبره فقال : خبر من يموت لا محالة ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، وجدت شيئا ؟ فأنكر عليّ قولي وكشر في وجهي وقال : يا سبحان الله ، أقول لك إن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قال إنه يموت ، وتسألني عما أجد ، لا تعد لمثل هذا ثم دخلت إليه عشية يوم العيد ، وكان أحسن من عاينته عيناي وجها ، فرأيته وقد حدثت في وجهه وردية لم أكن أعهدها فزادت وجهه جمالا ، ثم بصرت بإحدى وجنتيه حبة مثل حبة الخردل ، بيضاء ، فارتبت بها ، ثم صوبت نظري إلى الوجنة الأخرى فوجدت فيها حبة أخرى ، ثم أعدت نظري إلى الوجنة التي عاينتها بدئا فرأيت الحبة قد صارت اثنتين ، ثم لم أزل أرى الحب يزداد حتى رأيت في كل جانب من وجنتيه مثل الدينار مقدارا حبا أبيض صغارا ، فانصرفت وهو على هذه الحالة ، وغلست غداة اليوم الثاني من أيام التشريق ، فوجدته قد هجر وذهبت عنه معرفتي ومعرفة غيري ، فخرجت إليه بالعشي فوجدته قد صار مثل الزق المنفوخ ، وتوفي في اليوم الثالث من أيام التشريق ، فسجيته كما أمرني ، وخرجت إلى الناس وقرأت عليهم الكتاب ، وكان فيه : من عبد الله أمير المؤمنين إلى الرسول والأولياء وجميع المسلمين . أما بعد ، فإن أمير المؤمنين قد قلد الخلافة بعده عليكم أخاه ، فاسمعوا له وأطيعوا ، وقد قلد الخلافة من بعد عبد الله عيسى بن موسى إن كان . ثم أخذت البيعة على الناس وجهزته وصليت عليه ودفنته في اليوم الثالث عشر من ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة .

--> [ 1 ] ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصل ، أوردناه من ت وتاريخ بغداد .